الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
407
تفسير روح البيان
تعالى تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ والمعنى لا إجبار في الدين لان من حق العاقل ان لا يحتاج إلى التكليف والإلزام بل يختار الدين الحق من غير تردد وتلعثم لوضوح الحجة قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ هو لفظ جامع لكل خير والمراد هاهنا الايمان الذي هو الرشد الموصل إلى السعادة الأبدية لتقدم ذكر الدين مِنَ الْغَيِّ اى من الكفر الذي هو المؤدى إلى الشقاوة السرمدية * قال الراغب الغى كالجهل يقال اعتبارا بالاعتقاد والغى اعتبارا بالافعال ولهذا قيل زوال الجهل بالعلم وزوال الغى بالرشد فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ هو كل ما عبد من دون اللّه مما هو مذموم في نفسه ومتمرد كالانس والجن والشياطين وغيرهم فلا يرد عيسى عليه الصلاة والسلام والكفر به عبارة عن الكفر باستحقاقه العبادة وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ بالتوحيد وتصديق الرسل لان الكفر بالأنبياء والكتب يمنع حقيقة الايمان باللّه لان الايمان باللّه حقيقة يستلزم الايمان بأوامره ونواهيه وشرائعه المعلومة بالدلائل التي أقامها اللّه لعباده وتقديم الكفر بالطاغوت على الايمان به تعالى لتوقفه عليه فان التخلية بالمعجمة متقدمة على التحلية بالمهملة فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى اى بالغ في التمسك بالحلقة الوكيدة . وعروة الجسم الكبير الثقيل الموضع الذي يتعلق به من يأخذ ذلك الجسم ويحمله . والوثقى فعلى للتفضيل تأنيث الأوثق كفضلى تأنيث الأفضل لَا انْفِصامَ لَها اى لا انقطاع وهو استئناف لبيان قوة دلائل الحق بحيث لا يعتريها شئ من الشبه والشكوك فان العروة الوثقى استعارة المحسوس للمعقول لان من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه ولما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها وصفها اللّه بأنها العروة الوثقى * قال المولى أبو السعود الكلام تمثيل مبنى على تشبيه الهيئة المنتزعة من ملازمة الاعتقاد الحق الذي لا يحتمل النقيض أصلا لثبوته بالبراهين النيرة القطعية بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم المأمون انقطاعه فلا استعارة في المفردات وَاللَّهُ سَمِيعٌ بالأقوال عَلِيمٌ بالعزائم والعقائد يعلم غيها ورشدها وباطلها وحقها ويجرى كلا على وفق عمله وقوله وعقده وهو أبلغ وعد ووعيد * واعلم أن حقيقة الايمان كونه متعلقا باللّه على وجه الشهود والعيان ومجازه كونه متعلقا به على وجه الرسم والبيان أو بالطاغوت وحقيقة الكفر كونه متعلقا بالطاغوت ومجازه كونه متعلقا بوحدة اللّه أو بنعمته فان الكفر ثلاثة أقسام كفر النعمة وكفر الوحدة وكفر الطاغوت وافراد الإنسان ثلاثة أقسام أيضا أصحاب الميمنة وهم أرباب الجمال ومظاهره وأصحاب المشأمة وهم أرباب الجلال ومظاهره والمقربون وهم أصحاب الكمال ومظاهره وقلوب الفريق الأول في أيدي سدنة الجمال الإلهي من الملائكة المقربين وقلوب الفريق الثاني في أيدي سدنة الجلال الإلهي من الشياطين المتمردين يستعملونها في سبيل الشرور وقلوب الفريق الثالث في يد اللّه الملك المتعال يد اللّه فوق أيدي سدنة الجمال والجلال يقلبها كيف يشاء بين التجليات العاليات والعلوم والمعارف الآلهيات ولما تعلق ايمان هذه الفرق باللّه على وجه الشهود والعيان وتعلق كفرهم بالطاغوت جليا أو خفيا كان ايمانهم وكفرهم حقيقيين وجاوزوا من عالم المجاز إلى عالم الحقيقة واما الفريق الثاني فقد تعلق ايمانهم بالطاغوت مطلقا جليا أو خفيا وكفرهم بالوحدة والنعمة فكان ايمانهم وكفرهم مجازيين لكن ايمانهم